الخميس، 29 مايو، 2008

جرانك ومشمش وتفاح ..*


جرانك ،،


الآن وبعد مرور أسبوعين تقريبا على ذكرى النكبة وقيام مسئولينا بطوي شعاراتهم واللاجئين وحق العودة وحشرها معا في مرطبان مخلل لتبقى طازجة عند إعادة استخدامها في الذكرى القادمة أتسلل بهدوء لأطرح _ بهدوء اكبر_ سؤالا يؤرقني : لماذا أصبحنا نمضي كل عامنا نستعد ونخطط لكيفية إحياء الذكرى القادمة فننسى في غمرة ذلك محاولة إزالة ما كان سبب النكبة ؟ نقف ونردد الاسطوانة ذاتها لن نتنازل ،والأرض، ولن ننسى، وحق العودة، وسنعود ، ووو.. دون أن نأتي بالضرورة على ذكر إجابة للسؤال المهم وهو كيف؟

ولنضع هنا الرؤوس الكبار خارج التساؤل فرائحة العفن لا تحتاج لمن يدل عليها ، أنا أتسائل عن الآلاف التي وقفت بالشوارع والساحات لتحيي ذكرى النكبة _ وهو بكل الأحوال أمر جيد_ ولكن حين تصبح هذه عادة سنوية نذهب إليها نهتف قليلا ومن ثم نعود لحياتنا بكل راحة ضمير ، نجلس على كراسينا المريحة ، تتابع نشرة الأخبار ونلعن قادتنا الذين يتكلمون ويتكلمون دون أن يفعلوا شيئا! يصبح السؤال اكبر من أن يتم تجاهله

أتعلمون ما الذي أود معرفته حقا ؟ أين ذهب ذاك الزمن الذي كان فيه الطالب يدرس لـ فلسطين ، والعامل يعمل لـ فلسطين ، و نغني لـ فلسطين ، وندخل الأحزاب لـ فلسطين ، ونقاوم (مهمة نقاوم هاي) لـ فلسطين ، وإذا نشب خلاف يطمر بسرعة كرمال فلسطين ، زمن كانت المقاطعة تجعل الاقتصاد الإسرائيلي يتحول من حالة فائض إلى عجز بفارق كبير خلال فترة قصيرة نسيبا ؟، وكيف انتقلنا إلى زمن أخوض فيه جدالا مع مدير مدرستي حول فلسطينية الكوفية ، وترمقني فتاة بنظرة ساخرة مصحوبة بـ يعني بتحبي فلسطين ؟! ، وكيف أصبحت المقاطعة أمر غريب قد يصبح عيب إذا حاولت ممارسة مبادئك بالرغم مما قد يسببه هذا من إحراج للآخرين ، ويصبح فيه السجال الفتحاوي الحمساوي ملح طعام كل فلسطيني وهنا نرتكب خطأ بتسميته سجالا إذ انه تعدى ذلك بكثير إلى مرحلة لن تستطيع لغتنا على وسعها من وصفها .

وشيء أخر سئمت حقا من الذين يشبعوننا كلاما عن حتمية تحرير فلسطين فتصعق حين " تسأل ولماذا لا تبدأ بالعمل من أجل ذلك منذ الآن؟" بجواب من نوع : "هي بدها تتحرر من وراي يعني ، ولا مفكرة شغلتها سنة زمان ، خليكي واقعية " مفترضين أن الواقعية هي أن " نخرس" و " نقعد عاقلين " بانتظار أن ينزل صلاح الدين علينا مع المطر !!

مشمش ،،

بالرغم من كل شيء ما أحبه حقا في ذكرى النكبة هو الناس .. حين يفتحون ذاكرتهم بكل كرم ليسردوا لنا حكاياتهم وملامح قراهم وما مروا به، نوادرهم ، مآسيهم.. حين يتحدثون عن فلسطينهم بكل بساطة فتشعر بأنك قريب جدا وان فلسطين وناسها بأصالتهم ورائحة الأرض العالقة بهم ما زالوا في مكان ما تحت كل هذا الزخم ، أمر يبعث على الأمل حقيقة .


نقطة أخرى مضيئة في هذا السواد هو ما قام به مركز بديل لفعاليات هذا العام ، فلم تتحول لنكبة أخرى على غرار السنوات الماضية ، حيث عمل هذا المركز وضغط بكل قوة لتوحيد الفعاليات لأن مثل هذه المناسبة يجب أن تستغل لـتوحيد الشعب وان على من يريد تحويلها لحفلة " ردح وتشهير" للغير أن يحمل نفسه ويفعل ذلك بعيدا .. إضافة إلى أن مسابقتهم السنوية استطاعت إنتاج شيء ملموس يمكن أن نفخر به ، هاك مواقف لن تستطيع إسقاطها ببساطة ..


تغطية أخرى شفت غليلي هي تغطية قناة الجزيرة عبر سلسلة حق يأبى النسيان ، عميقة ، بسيطة دون رتوش أو شعارات ، ومستمرة بحيث تستطيع مفاجأتي كل صباح حين افتح التلفاز بحركة تلقائية لأجد حكاية جديدة أمامي تجعل لقمة الطعام تتحجر فعليا في حلقي فينتهي فطوري هناك ، أكثر من أسبوعين لم تفقد فيه ندى البدايات .. تماما كالنكبة قد نعتقد أن اعتدناها ولكننا بهذه بالذات نكون مخطئين .


تفاح ،،

أقترب من عامي الأول الآن ، ربما تكون هذه من الأشياء القليلة التي اعترف بها لنفسي والتي اشعر بالفخر حقا أني امتلكت الشجاعة لأقوم بمثل هذه الخطوة .

بعد عام اشعر وأني " أنا كما أنا" ** واني امتلكت القدرة على الطيران ، وأصبحت اصلب ، الأهم أن بقربي أناس أتعلم منهم كل يوم كيف أحيا وأنمو أكثر وان الأحلام والأهداف وجدت لتُحقق وان الطريق يبدأ من هُنا ومن كل حركة نقوم بها ..

معا نستمتع باللحظة ونحاول التمتع بأكبر وعي حول ما يمكننا فعله لنصل



عام كامل تعلمت فيه أن العشق فعل وان الأشياء العظيمة تبدأ بحركة صغيرة وقليل من الأيمان .

________________________



*ملاحظة مهمة: إن كل الجرانك والمشمش والتفاح المذكور أعلاه ، هو بالضرورة جرانك ومشمش وتفاح حامض ومش مستوي ومع سابق ترصد وإصرار كمان ، أصلا بلا شمس بيستويش

**ملاحظة لهالواحد : شايف خيا اخدت معي سنة كاملة لحتى أوصل للجزء الأول ، الطريق للجزء الثاني طويل بس رح امشي